تعديل

السبت، 15 مارس 2025

الثوب الواحد والإناء الواحد

الثوب الواحد والإناء الواحد

رقائق إيمانية
الدكتور محمد سليم محمد علي
خطيب المسجد الأقصى المبارك
كم يحتاج شعبنا المسلم من وقت ليكون ثوبه واحدا وإنائه واحدا في ظل المتغيرات المصيرية التي يواجهها ؟ فلا يوجد متسع للوقت للتفكير ، ولا مساحة متبقية للانتظار ، فالأمر جلل ، وجِدُّ خطير ، لذلك يجب تطبيق مبدأ التكافل فيما بيننا تطبيقا عمليا نرى فيه نتاج هذا العمل الإيماني يتنقل بين أسرنا ويدبّ في أحيائنا السكنية ، ونكون مثل قبيلة " الأشعريين الذين ضرب بهم النبي صلى الله عليه وسلم المثل ، وحثّنا على الاقتداء بهم في الذي صنعوه وبادروا إليه من التعاون فيما بينهم والذي لم يُسبقوا إليه ، تعاونا على الخير ، وتسابقا إلى الخير المنقطع النظير ، حتى قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ( فهم مني وأنا منهم ) ، فماذا فعلت هذا القبيلة اليمنية حتى نالت إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم ، واستحقت هذا الثناء ، تعالوا نستمع لما رواه البخاري في صحيحه حديث رقم (2486) عن أبي موسى الذي هو أحد أبناء هذه القبيلة " الأشعريين" ، قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة ، فهم مني وأنا منهم ) ، وقبل أن نقف عند هذا الحديث الشريف للإفادة منه دعونا نذكر بالحالتين المشتركتين بين شعبنا الفلسطيني في هذه الأيام وبين حال الأشعريين الذي كانوا عليه حين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، أما الحالة الأولى التي يشترك شعبنا مع هذه القبيلة فهي حالة الغزو " الحرب " فشعبنا يعيش هذه الحالة ، وهي أصعب من حالة الغزو التي كانت عليها هذه القبيلة اليمنية ، والحالة الثانية التي تجمع بين شعبنا وقبيلة الأشعريين فهي قلّة الطعام عندهم وعندنا ، ولو أردنا أن نقوم ببحث ميداني لوجدنا أن شعبنا في قلّة زاده وطعامه أشدّ حاجة ، وأكثر تضررا ، وهذا واضح للعيان من واقعنا المعاش ، ولا يحتاج إلى التدليل عليه ، فهو كالشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى من يثبت وجودها ، إذن ماذا فعلت هذه القبيلة كي تخرج مما أصابها في الحالتين ؟ والجواب : أولا : جمعوا طعامهم كله في ثوب واحد ، ثانيا : تقاسموا هذا الطعام بينهم بالسويّة ، فكأنهم صاروا شيئا واحدا ، وأسرة واحدة ، وتحت سقف واحد ، اجتمعت قلوبهم ، وتآلفت أرواحهم ، وصاروا كأنهم جسدا واحدا ، فصار هذا الطعام كله لهذا الجسد المتآلف ، وكم يحتاج شعبنا المسلم في ظروفه الحالية القاسية التي يعيشها إلى هذه القوة من الأواصر والترابط ، وإلى هذه المحبة ، وإلى هذا الاجتماع الذي لا مثيل له ، إنه مثال عملي على الإيثار ، وعلى المواساة ، وعلى اجتماع الرأي والموقف عند الأزمات الطارئة ، وعند الحاجة العارضة ، وهذا ليس بغريب على من استوطن الإيمان قلبه ، وذاق طعمه ، وفقه المراد من عقيدة الولاء بين المسلمين ، ولهذا فرح صلى الله عليه وسلم بصنيعهم ، وأثنى عليه حتى جعلهم متصلين بهم ، لاتفاقهم جميعا على طاعة الله تعالى بما فعلوه وأقدموا عليه ، فقال فيهم ( هم مني وأنا منهم ) ، وفي هذا بيان لفضيلة هذه القبيلة ، واستحباب خلط الزاد بالسفر والإقامة وبخاصة عند الحاجة والضرورة ، وأنا هنا حين أخاطب أبناء شعبنا المسلم لا أدعوهم إلى أن يقتدوا بالأشعريين " حذو القذة بالقذة " ، لعديد المفارقات بين حالنا وحالهم على جميع المستويات وخصوصا السياسية ، والاقتصادية ، والتركيبة السكانية ، وحتى الحالة الإيمانية ، ولكن يمكن الاقتداء بهذا القبيلة التي أحبها النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليها بعديد الصور من التكافل ، والمواساة ، والتعاون ، والتعاضد على الخير ، وقد ذكرت السنة النبوية صورا مختلفة للتكافل والمواساة بين المسلمين حتى حثّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج المسلم عما يملكه ولا يحتاجه لغيره ممن يحتاجه من المسلمين في حالة الطوارىء ، والمحن ، والنوازل ، وعلى سبيل المثال يمكن الاقتداء بالأشعريين داخل نطاق الأسرة الواحدة كمجموع الأخوة مثلا ، وتعجيل الزكاة لعام ، والسخاء في زكاة الفطر فلا تقف عند عشرة شواقل كما يصرّ بعض الناس على ذلك ، والتقليل من أجرة الشقق السكنية ، والمبادرة بين أبناء الحي الواحد إلى تفقد المعوزين منهم ، والفقراء الذين لا يسألون الناس ، ويحفظون ماء وجوههم ، والعمل بالفقه العملي لنظام النفقات في الشريعة الإسلامية الذي لا نظير له في الشرائع الأخرى ، الذي يبدأ بفقه نفقة المسلم على نفسه ، ثم على من يعول من الزوجة والأولاد ، ثم النفقة على الأصول من الآباء والأجداد ، ثم صلة ألأرحام ، وهذا باب واسع يحتاج على تفصيل ، ولكن يمكن لأبناء شعبنا المسلم أن يستفيد من تجربة قبيلة الأشعريين ، وأن يتخذها قدوة للمبادرة إلى المواساة ، والتكافل ، والتعاون ، واضعا نصب عينيه ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه القبيلة ، فربما جاءت مبادرات مماثلة لمبادرة الأشعريين ، وبطرق مختلفة ، وفي مجالات متنوعة ، تجعل من يبادر إليه يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم : ( فهم مني وأنا منهم ).
والحمد لله رب العالمين

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More